تغرس سكينا في منتصف العامود الفقري للدجاجة، تشد بأصابعها النحيلة وتضغط أكثر لتسمع صوت العظام تتكسر ويقسم هذا الدجاجة إلى شقيّن، تخاطبها: ” لابد أنكِ دجاجة سيئة، وإلا فلا يمكن أن ينتهي بكِ الأمر إلى هذا المكان، ترى هل كانت ذنوبك كثيرة، أم هل كنتِ ناكرة الجميل وبذيئة اللسان وفاحشة الفعل؟!. لا يمكن أن تكوني بريئة تماما ثم تنتهين إلى طعام لهذه الأسرة، وطبق كبسة من صنعي. ” تنظف أحشائها باشمئزاز واضح ولا تبذل جهدًا في إخفاءه، تضع نصفا في الثلاجة وتشرع بإعداد الغداء بالآخر.
أصبح هذا الأمر روتينا يوميا منذ أقل من شهرين بقليل، بالإضافة إلى التنظيف والعناية بشؤون المنزل الأخرى. تفكر في المقالة التي قرأتها قبل يومين عن حركة نسائية كانت تهدف لاعتبار عمل المرأة في المنزل هو تشغيل غير قانوني لأنها لا تتقاضى عليه أجرًا، رغم أن مواصفاته تنطبق على مواصفات الأعمال والمهن في كل مكان. ينقطع حبل أفكارها فجأة عندما تتذكر أنها لم تضف الملح بعد فتتحرك مسرعة لتلتقط ملعقة وتسكب فيها بعضا من الملح لتضيفه إلى القدر. تستعيد حبل أفكارها الساخر نفسه عندما تذكرها المقالة بالحوار الذي دار بين أمها وجارتها قبل يومين:
⁃ الأم: لا أظن أنه سيقبل بوجود خادمة في منزله، أو هذا ماقيل عنه في المسجد الذي يقوم فيه كإمام. وفي نظري لا يتعلق الأمر بتدينه بقدر ما يتعلق ببخله. مسكينة!
⁃ الجارة: زرتها بالأمس، حالتها بالويل! لابد أن حملها كان خطأً، لا يُعقل أن تقبل امرأة عاقلة بهذا الأمر. فارق السن بين وليدها والابن الذي سبقه قليل جدًا!
⁃ الأم: برأيي أنها محظوظة، كل ذريتها حتى الآن هم ذكور.
⁃ الجارة: من هذا الجانب فهي محظوظة حتما لكن العناية بأطفال في سن متقارب منهكة فما بالك وقد اجتمع مع ذلك أعمال المنزل ومهام التنظيف والعناية بالزوج والاهتمام بطلبات أهله وتوقعاتهم. ليته يستأجر لها منزلا منفصلا عوضا عن الخادمة على الأقل.
⁃ الأم: بالمناسبة وجود أهله حولها سيساعدها كثيرًا، خصوصا أنه لا ينوي استقدام خادمة، سيكون عونهم لها أكثر من ازعاجهم.
⁃ الجارة: رغم كل شيء الخادمة واجب وضرورة، أعني كيف يمكن لها أن تتدبر أمرها مع هذا العدد من الأطفال بدون الحصول على مساعدة حاضرة معها كامل اليوم، تكون مهمتها هي معاونتها على كل مهام الزوجة وواجباتها ال..
⁃ تقاطعها الأم: وسيكون حضورها مثاليا إن تمكنت من إبعاد زوجها الشهواني عنها لبعض الوقت..وانفجرتا ضاحكتين.
بالتفكير في ما دار بين أمها وجارتها يمكنها أن تكون متفائلة بوجود أرضية مشتركة للحوار، إنهنّ يعرفن على الأقل أن العمل في المنزل شاق وغير واجب، أو هذا ما استنتجته خلال الحديث الذي دار بينهما استمرت تنصت بتفاؤل إلى أن بلغ الحديث نقطة أوجبتا فيه على المرأة التي حصلت على خادمة أن تلزم منزلها وتطيع زوجها وتؤدي حقه كاملا، فقد حيزت لها الدنيا!
هذا النوع من التفكير يصيبها بالغثيان. قررت أن تنهض عائدة إلى مهامها المنزلية وتلعن نفسها على عدد المرات التي أوشكت أن تنتهي فيها إلى وضع مشابه، حياة تضع المرأة فيها كل ما تملك: وقتها، جسدها، عاطفتها، جهدها، أفكارها فقط ليتم تشريحها وتقسيمها كما تم مع الدجاجة تماما. جزء لشهواته وجزء لعائلته وجزء لابناءه لكي يتفاخر بهم وجزء لمنزله، وبعض العوالق التي سيتم التخلص منها في الطريق إلى لقب ” ربة البيت المثالية ” تتضمن صحتها وشعورها الحقيقي ورغباتها الجنسية.
إنهنّ تعيسات، نقابلهنّ كل يوم وفي كل مكان يقمن بتحويل المشاعر السلبية إلى أشياء أخرى كثيرة ويكملن الدورة التي بدأتها أمهاتهنّ، يربين بناتهنّ على ” عيب، ولا تلمسي نفسك، ولا تلبسي قصير ولا تفتحي شعرك ولا تحطي كحل ولا تطلعي كل أسبوع ولا تبخي عطر”. ينشئنهن على الطريقة نفسها فيتحولن بعد بلوغهنّ سنّ الزواج إلى مواد نادرة مصونة طويلة الأجل ذات جودة عالية وغير مُكتشفة من قبل، غير مكتشفة حتى لذاتها!
فتكون بين يدي من يشتريها في سوق نخاسة الزواج كالدجاجة بين يدي الطاهية، لكنّ أحدًا لا يسألها كم سألت الطاهية دجاجتها: ” مالذي اقترفته لينتهي بها الحال هنا؟ “
Leave a comment