بعد أن قضينا ليلة رائعة، ضحكنا وصمتنا وشاغبنا سوية، طلبت منه أن يخلد للنوم لأن الوقت قد تأخر وقبل أن نفترق ليذهب كل منا إلى فراشه تلونا صلوات العشق والهيام والوله كما في كل مرة، واقترب من أذني ليهمس ” أحبكِ حد انطفاء اللغة “.
وانطلق بعدها مسرعا لينام، وفي طريقي إلى المنزل استعدت المرة الأولى التي شاركته فيها هذه القصيدة، لقد تحدثنا مطولا عن الشعراء والكتاب والمخرجين، قضينا الليالي الطوال في تحليل ودراسة القطع الأدبية المميزة أو الأبيات الآسرة وككل الذين يراوغون حتى لا يُفضح أمر عشقهم جمعتنا مواعيد كثيرة بهذه الحجج. ياه كم يسعدني تذكر هذا الآن مع رائحة البن التي تعبق في المكان، لم أحب القهوة من قبل ولأنه يعشقها فقد وجدت نفسي مُقبلة على التصالح معها، لأن تجربة أنواع القهوة المختلفة كانت حجة مثالية لأتأمل وجهه.
أذكر أنني ترددت كثيرا قبل أن أخبره عن هذه القصيدة تحديدا، رغم أنه يحب كاتبها ويحفظ الكثير من قصائده، لكنني كنت أعرف أنها تقول أكثر من اللازم وربما لأنني عرفت أنها تخبرني أنا عن نفسي أكثر مما أحتاج إلى معرفته. تخبرني عن بحة الصوت التي يداعب كل تردد فيها كياني وعن الضحكة التي لازلت أتوق إلى رؤيتها كل مرة كما لو كانت أول مرة، كل هذا كان يخبرني عما حاولت مطولا أن أنكره واستبعده حتى انطفأت اللغة وانطلق سهم الحب فخيّرني: ” بوسعك الآن اعتراضه وبوسعك كذلك تركه يعبر إلى سبيل لا يعرفها “
خيرني وأنا التي لم تُخيّر في حياتها من قبل، دعاني لاقتحام المجهول وانتهاز اللحظة الحالية وأنا التي لم أعرف في حياتي إلا التخطيط المسبق والخيارات المدروسة قبل أن أولد بعقود. عندما افترقنا على الطريق وذهب هو للنوم، توقفت في طريقي لأشتري كوبا من القهوة فهذا السهر المتأخر هو العزاء الوحيد لزمرة العاطلين المتوقفين عن ممارسة الحياة مؤقتا من أمثالي، وبدأت استمع لإحدى أحاديث الرائعة دارين حسن ويتنقل ذهني ما بين الإنصات لما تقول وتأمل الشوارع والسماء والاستغراق في القلق على المستقبل. وعند نقطة معينة من حديثها وجدت نفسي بين كلماتها عندما كانت تصف تأثر العلاقة بين شخصين بثنائية القهر والتسلط، وجدت انكساراتي وآلامي ومعاناتي التي طالت، والأعوام التي تغذى فيها آخرون على قمع رغباتي والحد من أفكاري وآرائي، آخرون كُثر سبقوني إليه أجدهم في كل نموذج تتحدث فيه عن علاقة غير صحية ومُرهقة.
أعادتني هذه الأفكار إلى حديث دار بيني وبينه مؤخرا، دائما ما نؤكد على بعضنا البعض بأننا محظوظين بالمقدار نفسه بوجود أحدنا مع الآخر، تحديدا أرفض أن يعتبر نفسه محظوظا أكثر مني والعكس صحيح، قلت له في ذلك اليوم: عليك أن تتنازل هذه المرة وتعترف بأنني أدرك كم أنا محظوظة بوجودك في حياتي أكثر من إدراكك لحظك بوجودي، وعللت ذلك بأنني مررت بتجارب مؤلمة عدة وعرفت ما يعني أن أكون مع الشخص الخاطئ أي ما يعني أن أكون غير محظوظة.
لا أدري لم يبدو لي هذا الآن متسقا مع كل ما أمر به من تقلبات وما أعانيه من نوبات المزاج السيء والميل إلى الانتحار، وكأنني بقيت صامدة أمام كل ما واجهته من قبل لأصل لنقطة ما وأتداعى عندها بالكامل. عند هذه النقطة ليست الأيام والروتين المتكرر هو السبب في معاناتي فحسب بل حتى ذكريات الماضي وما تعرضت له من انتهاك وابتزاز وأذى، كان لا يكتفي الآخر بجرّه إليّ ولكنه لا يبتعد عني إلا وقد تأكد من أنني بت قادرة على إيذاء نفسي، أكمل مهمته وقام بتدريبي على تعنيف نفسي.
ما أبشعنا نحن البشر، وما أفظع ما نحن قادرون على القيام به عندما نُعادي وعندما نُحب، الالتقاء بين النقيضين مثير للسخرية ومتسق في الوقت نفسه مع كل التناقضات التي نجد أنفسنا مغرقين فيها كل يوم.
أحاول أن أكون بخير، وقد رميت وراء ظهري كل ما حدث لي قبل أن التقيه رغم ثقل الذكريات التي تلاحقني، أعيش بداخل نفسي وألتجأ إليه مني في كل مرة تنقلب عليّ نفسي وتبدأ بتعذيبي، وأخبره مرارا أنه التقى بفتاة لا تشبه الفتاة التي كنت عليها من قبل وأن ما أمر به الآن لا يشبه أيا مما مررت به من قبل وأُخيّره بدوري في كل مرة ينال مني فيها التعب وكم أخاف علينا من هذا التعب، وكلما خيرته ينظر إليّ بعنين ملؤهما العتب والحزن والوجع ثم يصمت مطولا وتتبعثر الكلمات على أطراف شفتيه وتنطفئ اللغة.
Leave a comment