شعور عام بالغثيان من الوجود كحالة، لا يبدو أن لأي شيء معنى أو قيمة. وأجهل السبب الحقيقي وراء تكرار هذه المعاناة كل يوم وبين يدي القدرة على إنهائها تماما وفي لحظة. الأحاديث مع العابرين لها القدرة على إخراجي من حالة الذهول التي أكون فيها وأنا أمارس الحياة كنشاط جانبي مع العدم. هذا الوجود في هذه البقعة هو العدم، أنا كيان خفي بالنسبة لمن أعيش معهم، كيان هلامي بالنسبة لأقاربي وشخص هامشي بالنسبة للمجتمع. أخلع عني عباءة الإخفاء وأكون ذات شكل محدد وواضح ويكون حضوري قويا فقط مع العابرين. إنهم يملكون عني حقائق أكثر من غيرهم ويسمعون أرائي على حقيقتها ويتعاملون مع ذاتي الأصيلة، لأنني اخترت ذلك حفظا لأماني. الأمان الذي سأفقده في أول جزء من الثانية التي أُعلن فيها عن تكوني، وخَلقي من جديد بعيدا عن ظل السلطة الأمومية في العائلة والسلطة الأبوية في المجتمع. العابرون يعرفون عن نسويتي، عن أرائي الخاصة في الدين والعلاقات والعائلة. هذه البقعة، بت أسأل نفسي في اليوم ألف مرة عما إذا كانت هي السبب أم ظروفي الخاصة أم أنها أنا؟ هل لأنني ولدت هنا أم لأنني نشأت في هذه العائلة أم لأنني أصبحت هذا الشخص. ولكل حالة جهة معينة لإلقاء اللوم عليها، وبطبيعة الحال يتفوق السببان على الأخير. فأنا كأي شابة في منتصف العشرينات تحاول جاهدة النجاة في العالم المجنون بصورته الحالية لابد أن تخبر نفسها بأنها لا يمكن أن تكون السبب وراء كل ما حولها في اليوم ألف مرة. أصاب بالقلق ويتملكني الخوف كلما زادت الأيام التي تمضي بدون تحول حقيقي. العابرون يعرفون هذا أكثر من أي شخص آخر، ينظرون إليّ بيأس ليحاولوا إقناعي بأن الحياة تستحق بعضا من الفرح وبأن اليوم الذي ينقضي بدون قيمة بالنسبة لي هو في منظورهم يوم مليء بالإنجاز. لكنني مصابة بالعمى واختنق، أكاد أفقد الشعور بأعظم العواطف في حياتي، أشعر أنني سأستيقظ يوما ما لأجد أنني لن أشعر بالحب مجددًا أبدا. كل مرة أضحك فيها أصلي ألا تكون الأخيرة، وكل مرة أضمه فيها أتمنى لو تدوم للأبد خوفا من ألا تتكرر أبدا وكل مرة تتحدث فيها إحداهن عن مستقبلها أُحبط ويملؤني شعور بالخزي لأنني لم أفعل أي شيء لمستقبلي. أعيش كل يوم على أمل أن أنجو بنهاية اليوم من الحياة، ألا تصيبني نوبة قلق ولا أفقد صوابي بسبب العيش المشترك أو لا تفضح أسراري التي وزعتها على العابرين سرٌ لكل شخص حتى لا يمتلك أي شخص صورة كاملة أبدا، أردد دائما ” ما يقدر يمسك عليا شي ” أقسم بكل ما أحب أنني أكرر هذه الجملة داخل رأسي أكثر من أي جملة أخرى. أسير في طريق وعرة وحملي ثقيل من الأسرار والخبايا، أناقض نفسي في اليوم مليون مرة، أخفي خمسة أراء وأرتدي ثلاثة أقنعة. وأقوم بمراجعة فكرة الآخر عني مليون مرة لأتأكد إن كان علم بأمر أو أحسّ بشيء. ثم أجاهد نفسي لأشعر بأنني أستحق كل شيء جميل في حياتي، الشعور بعدم الاستحقاق هو الشيء الذي يلقي بثقله عليّ خلال المسير الطويل هذا. أحتاج إلى ما يشبه شروط الحصول على اللجوء في كندا _كناية عن الصعوبة_ في كل مرة اختار فيها نفسي على الآخرين، أضع مليون عذر وعددا لا نهائيا من التبريرات لأهدأ وفي النهاية لا أتخلص تماما من الشعور هذا. ما أتعسنا نحن الإناث في هذه البقعة، نذهب لحد المخاطرة بحيواتنا لنحصل على ما يُعد حقا من أبسط حقوقنا ثم لا نجد في ذواتنا إلا إنكارا لا مرئيا باستحقاقنا لأي شيء. هذا شيء لن يفهمه شريكي أو أصدقائي الذكور، لأن كلا منهم على أقل تقدير تمت تغذية شعوره باستحقاق ما يعمل جاهدا للحصول عليه وفي بعض الحالات مجرد التفكير في الأمر يعني أنك استحققته _ محظوظون_. يذكرني هذا بأخي الذي وقف أمامي اليوم مقترحا علي أن يقوم بإيصالي وأدفع له مبلغا شهريا _ لا أحد يسوي فالح ويقترح أسوق_، إنه لا يختلف عن أخت زوج أختي التي اقترحت أن أترك عملي لأن هناك فرصة أفضل في المكان الذي ستعيش فيه أسرتي، أو ابنة عم جد خالتي التي ستُبعث من قبرها لتعطني حلولا لما تعتقد هي أنه مشكلتي. لا أدري إن كان هذا يقع تحت التنظير الذكوري لكنني اقترح على ريبيكا سولنت أن تسك مصطلحا جديدا ” societsiesplaining “
أنا تعبة جدًا، وسأكون بحال أفضل إن ذهبت بعيدا جدا، ربما لن أكون بخير تماما لبعض الوقت. لكنني سأطمح أن أكون كذلك سأؤمن أنه خيار ممكن وهذه الاحتمالية بحد ذاتها تستحق بالنسبة لي أن أعبر بحارا على أمل تحقيقها.
Leave a comment