منذ فترة ليست ببعيدة، بدأت بأخذ المشاعر التي تتملكني فجأة على محمل الجد، وأصبحت أتبعُ الصوت الغاضب تارة اليائس تارة أخرى، اتتبعه بهدوء وصبر ما أمكنني. العملية صعبة، مُجهدة، وفي معظم الأحيان غير مجدية. لكنها نجحت اليوم ويا للمفاجأة.
حدث اليوم أن تلقيت خبرًا سيئًا، لكنه مُتوقع. كنت أعرف أن أوراقي يمكن أن تخلق هذه العقبة. إذًا بما أن الخبر متوقع والعراقيل موجودة دائما وأحيانًا ليست مستحيلة الحل، وفي أحيان أخرى علينا تقبلها كما هي والمُضيّ قدما. لماذا إذً تفجّر كل ذلك الغضب في داخلي؟
اندفعتُ خارج المكتب وكأنما جدرانه الأسمنتية تتقهقر باتجاهي، أشعر بالضيق وأرغب بالصرّاخ وتحطيم كل ما يحيط بي.
في ساعة الازدحام المروري المعتادة، أود لو أمكنني الطيران نحو بيتي، أريد أن أتقوقع على نفسي، لا أرغب في محادثة أي شخص، أرفضُ السماع للمنطق في حالتي هذه. أريد أن أعود إلى مساحتي الآمنة حيث أسمح لنفسي بالشعور بكل شيء ولا شيء. تلك البقعة الصغيرة جدًا من العالم التي أحكمها. الموسيقى الصاخبة هي خياري لليوم، أغانٍ غاضبة، هذا هو أول ما فكرتُ فيه عندما أغلقت باب السيارة على نفسي.
وكما هي عادتي كلما انطلقت في السيارة، انطلق ذهني يصول ويجول، بحثًا عن ذلك الصوت الغاضب، مصدره، ألمه، رسالته. وبقيت اسأل نفسي السؤال نفسه؛ لماذا أنتِ غاضبة؟
كنت سأفهم لو كنتِ حزينة، أو خائبة الظن، لكن الغضب كان حالةً شعوريةً غير معتادة كردة فعل على الخبر الذي تلقيته.
وفجأة بينما انتقل بسيارتي الصغيرة بين المسارات بسلاسة تناهى إليّ صوت امينيم وهو يشكو انعدام الانتماء، ليسلّمني بذلك المفتاح إلى الباب المؤدي لذلك الصوت الغاضب. سكن كل ما حولي فجأة، وشعرت بقربي من المصدر الأصلي. جذور الغضب الممتدة في داخلي.
ذلك الصوت البعيد ذو البحة المألوفة. تلك الفتاة التي شعرت في وقت مبكر جدًا أن وجودها غير مرغوبٍ فيه. تلك الطفلة الصغيرة، التي لم يعطها أحد أسباب منطقية، كما فعلت الموظفة التي نقلت إليّ الخبر اليوم.
صحيح أنني تحدثتُ بهدوء، وشكرت الموظفة بلباقة. لكنها كانت تستشيط غضبًا في داخلي، تريدني أن أصرخ، وتريد أن تصرخ هي في وجهي، تريد أن تذكرني أن كان عليّ أن أحميها من تكرار التجربة، من ألم الذاكرة وقسوة الرفض.
كل تلك المشاعر التي اجتاحتني فور إنهاء محادثتي مع الموظفة، لم تكن تخصها ولم تكن تخصّ الموقف بحد ذاته، إنها تخصّ تلك الفتاة الصغيرة، التي لم تتجاوز بعد أن وجودها كان غير مرغوبٍ فيه من أكثر الأشخاص الذين تطلّعت لأن يكون استقبالهم حارًا لها.
أتذكّر الآن تلك العبارات الرنانة التي نجدها مطبوعة على الهدايا المُقدمة في حفل استقبال أي مولود جديد ” نورّت دنيتنا يا فلان “
من الأجدر أن تكون: ” نورّت دنيتنا وحنحطك في عيننا بس بشرط: تكون شبهنا وتعيش زينا وتحب اللي نحبه وتكره اللي نكرهه “
وفي نسختي الخاصة أراهن أنها كانت شيء من هذا القبيل: ” نورتي دنيتنا بس يا ليتك كنتِ ولد “
عبر هذه الكلمات أحاول الوصول إلى تلك الفتاة الصغيرة الغاضبة، أحاول بناء الجسور بيني وبين صوتها البعيد الذي أحبه وأتوق للتعرف عليه في كل موقف يلامس جرحًا من جراحها الكثيرة، أفهمُ الآن شعور الغضب وأسمح له أن يكون.
ملاحظة:
أعرفُ أن والديّ أحبّاني (بطريقتهما الخاصة) لكنني أيضا أعي الآن أكثر من أي وقت مضى هشاشة الطفلة التي كنتها وكم من التصرفات أو الكلمات التي قد نعتقد أحيانا بأنها عابرة، تغرس سكينًا غائرا، يُخرجه موقف عابر.
فتلطفّوا بأطفالكم وأخبروهم أنهم موضع ترحيب حيث حلّوا وأينما ارتحلوا (عشان ما ينهاروا لما موظفة مكتب سفريات تقلهم ما ينفع تدخلوا البلد الفلاني)
Leave a comment