استيقظتُ مبكرًا وهاجس السؤال يلاحقني منذ ليلة البارحة، ” ماذا لو؟”
” مالذي كان يمكن أن يحدث لو أنني لم أنهي علاقتنا عند ذلك الحد؟”.
فتحت هاتفي وقررت محادثتها رغم مرور أشهر على آخر مكالمة بيننا. بدون أي مقدمات أو رسالة تنبيهية، نظرت إلى الوقت في أمريكا على عجالة وقررت أنها لابد وأن تكون مستيقظة. أختي التي تعيش في كاليفورنيا منذ ما يزيد على خمس سنوات هي شريكي الوحيد في تلك الذكرى، وحدها تستطيع الإجابة على التساؤلات التي تراودني منذ شاهدت فيلم Past Lives.
لم أستطع الوثوق في الذاكرة، كانت شاهدًا لا يُعوّل عليه. أذكر جيدًا أنني توقفت عن حبّه فجأة، أو كانت هذه هي القصة التي قررت أنني سأرويها مرارًا وتكرارًا حتى تصبح هي الحقيقة. لكنني كنتُ أشعر أن للقصة أبعاد مختلفة لذلك هاتفت أختي لاستنجد بذاكرتها. قالت ببساطة ” لا أذكر ما قلته لك! ” قلت: ” أنتِ تدركين أنكِ السبب في إنقاذي من ذلك الزواج” قالت: ” لا أذكر أبدًا ما قلته لك، لكنني أذكر أنكِ ألقيتي اللوم علينا مرة لأننا لم نفعل أي شيء بخصوص ارتباطكما، قلتي لنا أنكِ كنتِ مراهقة طائشة وكان علينا أن نتدخل.” شهقت! لم أتذكر أنني فعلت. الذاكرة شاهد كثير النسيان.
ثم انتعشت ذاكرتها قليلا، قالت: ” أذكر أنكِ كنتِ متعلقة جدًا بفكرة الرحيل والابتعاد، كنتِ تكرهين فرصك المحدودة هنا، كانت فكرة أن تتزوجيه وتنتقلي للعيش معه مطروحة على الطاولة. ” ثم تفجّر سيل الذكريات كما توقعت. كان هذا كل ما احتجته، أن تُسلّمني أختي طرف الخيط.
ولم تكن القصة بتلك البساطة.
أنهيت المكالمة مع أختي ووعدتها بألّا أسمح بمرور أشهر حتى أتصل عليها مجددًا. وجدت نفسي أحاول جاهدةً أن أبحث عميقًا لأُخرج الذكريات والمشاعر والقصص التي تخص حبي الأول. أعادتني مشاهدة الفيلم في الليلة السابقة إلى ذلك الشعور الكثيف من اليقين الساذج. بأن الشرارة الأولى ستدوم للأبد، وأن المسافات والاختلافات ستذوب بفعل الحب. فأردت أن أفهم أكثر وأسبر أغوار تلك التجربة في ضوء كل ما مررت به وما زلت أمر به. وهي هواية جديدة أمارسها بكثرة مؤخرا.
ولغرض شرح السياق للقارئ المرتبك، تاريخ القصة يعود ل12 عاما خلت. عندما وقعت في الحب لأول مرة في حياتي وكنتُ مستعدة لأن أتزوج ذلك الرجل وانتقل للنصف الآخر من هذا العالم.
التقيت به عندما كنت أبلغ من العمر 17 عامًا، وقعت في حبه، عُقد قراننا بعد التقينا بعام، ثمّ انفصلنا بعد ذلك بعام. كان هو من اتخذ القرار بأن نجعل ارتباطنا رسميًا، وكنت أنا من اتخذ القرار بإنهاء ارتباطنا.
كنتُ لا أزال أحبه، لكنه كان يتخذ الكثير من القرارات بشأن علاقتنا بدوني، بما فيها الانتقال للعيش في وطنه. لم أرفض الموضوع بشكل قاطع وذلك لأنني كنتُ أعاني دائما من عقدة عدم الانتماء تلك والرغبة في مغادرة هذا المكان كما ذكرت أختي، لكنني بدأت ألاحظ شيئا آخر إلى جانب نزعته التحكمية، لم يكن يشاركني أيا من اهتماماتي وكان كثير الاستخفاف بها، ومع مرور الوقت أصبحت أشعر بمسافة السن بيننا. كان يكبرني بثمانِ سنوات. كان هو الشاب في مقتبل العمر، يضعُ خطة متكاملة لحياة تقليدية، وزوجته المستقبلية الصغيرة يمكن دائما أن تتسع في أي موقع من هذه الخطط. ذات يوم كنت سأدرس الطب لأصبح طبيبة، وفي يوم آخر كنت سأدرس اللغات، وفي مناسبة أخرى كنت سأتمكن من دراسة الصحافة (التي أحببتها آنذاك) لكن كان سيتعذّر عليّ أن أصبح مذيعة، لأن غيرته لا تسمح له بأن يشاركني مع العالم.
كُنّا مثاليين، كان هو الفنان الشغوف وأنا الطين الذي يشكّله بين يديه بحنو واهتمام. كنت أنا الطفلة التي وجدت الحب في أقل الأماكن توقعًا وكان هو الشاب الذي وقع في حب ابنة عمته التي لم يظن يومًا أنه سيتعرّف عليها.
أحببته من كل قلبي، ثم انتزعته من قلبي بأقسى طريقة ممكنة. لا أذكر الكثير من التفاصيل عن انفصالنا.
الذاكرة شاهد خائن، يخبئ أكثر الذكريات وجعًا في أقصى الزوايا. لكنني أذكر أنه كان قرارًا عقلانيًا وبراغماتيًا. جلستُ أنا قبالة أختي وبدأت تحدثني عن الحياة التي يجب أن أتوقعها إن قررت الزواج به. كانت كلماتها كصرخة يقظة، حادة ومؤلمة، لكن مُستحقة. بعد حديثي معها بقليل بدأت أشعر بالانزعاج من تخطيطه لكل شيء، بدأت ألاحظ أنه يضع نفسه أولًا دائمًا مع الافتراض المُسبق بأنني سأوافق على كل ما سيقول. لم أستطع أن قول لا. فقررت أن أنهي المشروع.
بعد مشاهدة الفيلم، بدأت أفكر في كل الاحتمالات الممكنة لو أنني استطعت قول لا، ربما لم يخسر أحدنا الآخر.
أو ربما في حياة أخرى لم يخسر أحدنا الآخر فعلا، نعيش في منزلنا الكبير، أزاول الصحافة وهو يُعلّم الصينية في الجامعة، يعود ليلًا إلى المنزل واستقبله بكل حب مع طفلينا. أعترف بأن أمينة في هذه الحياة تشعر بالاشمئزاز من هذه الصورة الخيالية، لكن ذلك كان أقصى أمنياتها قبل 12 عامًا.
الذاكرة.. شاهد متحيّز. يدفعني ذلك للشك في كل الذكريات التي ما تنفك تداهمني منذ شهرين، إلى أي مدى يمكن الوثوق في قصة تروى من طرف واحد. فأعود لذاكرة حاسوبي السحابية، التي انتقيت كل ما احتفظ به داخلها بعناية.
هنا صورة أبدو سعيدة جدًا فيها بينما يقف إلى جانبي على شاطئ البحر، وفي مقطع مصوّر يبدو منهمكًا جدًا بينما يعمل وصوتي يأتي من الطرف المقابل: ” أنا أحبك..مرة”.
الذاكرة.. ذلك الشاهد المُرواغ، خيوطها تتشابك كالأبخرة التي تتلاشى كلما حاولت الإمساك بها. تنسلّ مع ما تبقى من الصور والأخيلة، وكل تلك اللحظات السعيدة، والكلمات التي تفارق الشفاه لكن أثرها يبقى في القلب.
Leave a comment