عندما ذهبت إلى المشفى وحيدة

جلست قبالة الطبيبة أحاول جاهدةً أن اسأل الأسئلة الصحيحة، دماغي مشوش والكلمات لا تسعفني. استحضر زيارات الطبيب المعدودة عندما كان يصطحبني والديّ كلما مررت بوعكة صحية. كنت أنصت بهدوء إلى والدتي وهي تصف الأعراض للطبيب. بدقة وتفصيل متناهيين، مشيرة إلى عدد الساعات التي ارتفعت فيها درجة حرارتي ثم إلى الأوجاع التي شعرت بها. لطالما أجادت أمي فعل ذلك، كنت أشعر بالاطمئنان عندما تذهب معي إلى الطبيب. بعكس والدي الذي كان يصف الأعراض بصورة مقتضبة، ثم يُسهب في شرح الأسباب المُحتملة، “لقد تناولت عصيرًا باردًا يا دكتور” أو ” لقد التقطت العدوى من المدرسة” يختم بكلمات معاتبة وعبارات مثل ” لطالما حذرناها من ذلك لكنها لا تكترث لما نقول “. والدي يكره المرض، لا يعترف بالحاجة إلى أخذ أطفاله إلى المشفى، كرجل نمطيّ وُلد وترعرع في البادية يرى أن لكل داء دواء في متناول اليد. إلا الموت، وطالما أن أحدًا لا يحتضر فما حاجة الذهاب إلى الطبيب! 

وجدتُ كلماتي أخيرًا، وردت الطبيبة على كافة أسئلتي. توجهت إلى غرفة الطوارئ لتلقي العلاج. ولم أرغب في البقاء وحيدة مع أفكاري فاتصلت بصديقتي التي واصلت التحدث معها حتى خروجي من غرفة الطوارئ. بعد ساعة أو يزيد أنهيت كافة الإجراءات والتحاليل اللازمة وعدت إلى سيارتي أخيرًا. فكرت لو علم أبي بما دار في المشفى والسبب الذي دفعني للذهاب لأعلن براءته مني. 

” أنتوا جيل ناعم ” ترجمتها بتصرف من الحسّانية، كان يقولها دائما عندما يروي لنا عن أيامه في البادية، كانت حياةً مليئة بالجفاف والقسوة. لكنه فخور بقدرته على تحمّلها وإن لم يقل ذلك صراحةً. 

عدت إلى المنزل حيثُ قططي التي استقبلتني بحفاوة عند الباب، بدأت أروي لهم عمّا حدث في يومي كما جرت العادة. عبلة كانت منصتة جيدة في الحقيقة لكن لم يكن لديها أي تعليق.

استلقيت وبدأت بطقوسي اليومية، وبينما كنت أشاهد التلفاز، تلمّست بباطن يدي موضع الألم في ركبتي، كنت قد سقطت على الرصيف وأذيتها في طريقي إلى سيارتي اليوم. وكفعل تلقائي خارج عن إرادتي، بدأت بالبكاء. 

يا للسخرية! تبكين الآن! لم تبكي عندما وقعتي وجُرحت ركبتك، أو عندما كاد أن يُغشى عليك صباحًا في مقر عملك، أو عندما كنتِ تستلقين وحيدةً على سرير غرفة الطوارئ الموحشة. الآن تبكين! 

عودةٌ إلى والدي، قليلةٌ هي المواضع التي أرى انعكاس التنشئة القاسية عليه، إذ لطالما خصّنا نحن البنات بمعاملة رقيقة. أما إخوتي فقد كان يقسو عليهم من وقت لآخر. ولأسباب محددة فقط. سمة والدي الأكثر وضوحًا هي اللامبالاة. كأن كل سنوات القسوة التي كابدها والصدمات التي تعرّض لها في طفولته استهلكت كافة طاقته واهتمامه، وبدأ حياة جديدة تمامًا بعد نجاته من كل ذلك. حياة سمتها الأبرز هي الزُهد. 

لم يكترث قط بالتعليم المدرسي، لو عاد الأمر إليه لتوقفت وإخوتي عن الدراسة بعد المرحلة الابتدائية. أذكر جيدًا كيف كنا نترصد الأيام القليلة التي تغيب فيها والدتي عن المنزل، لندّعي المرض أو نخترع كذبة تسمح لنا بالبقاء في المنزل موقنين بأنه لن يكترث وسيسمح لنا بفعل ذلك. تسيّب مُبهج! بعكس والدتي التي كانت ترسلني إلى المدرسة ولو كنت مريضة. مع مرور الوقت انضباط أمي هو ما بقي معي، وهو ما منعني من التغيب عن العمل اليوم رغم الإرهاق والتعب الشديدين. 

وبالرغم من صرامتها وانضباطها، كنت أرى حنانها في أبهى حلله عندما أمرض، كم كنت أحب أن تُمرّضني أمي. كنت أرى الحب في عينيها، الاهتمام الذي يتعطش إليه أي طفل لأم شديدة كأمي. على العكس تمامًا كان والدي، كان حنونًا في كل أوقاته معي باستثناء المرض. ولا أدري إن كان هذا الأمر يخصّ الرجال بصورة عامة لكن لطالما كان أقل تعاطفًا مع وجعي بالمقارنة بوالدتي. 

وقد يعود الأمر لعقدة المشفى والأطباء وقناعته الراسخة بعدم الحاجة إلى زيارة الطبيب. 

رغم اختلاف تعاطيهما مع الموقف، لكن كُلًا منهما كان يُظهر الاهتمام بطريقته الخاصة. وهو أمر افتقدته اليوم عندما ذهبت إلى المشفى وحيدة. افتقدت لهفة والدتي وتوّليها الحديث نيابةً عني، وافتقدت حس الدعابة الذي يلجأ إليه والدي لحظة أن يشعر بأن الأمور ستكون بخير وبأنه بالغ في تأنيبه لي أمام الطبيب. 

ينصح الأطباء النفسيون الأفراد الذين لم يتلقوا الرعاية اللازمة من أحد الوالدين، أو الأم بشكل خاص؛ ينصحونهم بتعلّم أدوات تساعدهم ليكونوا آباء\ أمهات لأنفسهم. Mothering oneself  للتشافي من جرح الأم الغائبة. 

أعتقد أنني لم أبكي لأنني قمت بهذا الدور الأمومي تجاه نفسي، على العكس شعرت بالرضا حيال ذلك. 

لكنني بكيت لأنني أخشى أن أكون الوحيدة التي ستقوم به لما بقي من عمري. 


Leave a comment