عندما نحاكم الوالدين، نجرّد الأب من أبوته والأم من أمومتها، وننظر إليهما كأشخاص عاديين، تختلف المقاييس بصورة مذهلة. نكتشف كيف أثر وجودنا على حياتهم وليس العكس، نضع اعتبارًا لطموحاتهم التي قتلناها، وأحلامهم التي حطمها عبء وجودنا. يتضاءلون، فتتسع مساحة الـ”معليش” وتضيق مساحة التقديس. ويصبح كل منهما في ضوء الحاضر مجرد شخص آخر في حياتنا، قد لا نرغب حتى في الإبقاء على علاقتنا معه.
بقدر ما أتمنى أن يكون شكل علاقتي مع أبي اليوم هو مسؤوليته وحده، إلا أنها ليست كذلك.
أذكر جيدًا ذلك اليوم الذي أدركت فيه أنني لن أحظى بتلك العلاقة التي تمنيتها معه أبدًا. قدت سيارتي إلى داخل مغسلة السيارات وأنا أستمع إلى أغنية جون ليجند “HOME”، وفي اللحظة التي غمروا سيارتي فيها برغوة الصابون وتأكدت أنني خرجت عن نطاق الرؤية تمامًا، بدأت بالبكاء. لا أعرف ما إذا كنت أبكي لأنني لم أشعر بتلك العاطفة في حياتي أم لأنني لن أشعر بها أبدًا. كان الأمران مؤلمين بالمقدار نفسه.
لا أعتقد أن أبي هو الأسوأ، سمعت عن آباء أكثر سوءًا، لكنني أعي جيدًا أن علاقتي به حددت شكل علاقتي مع الكثير من الرجال الذين التقيت بهم في حياتي، بل وحددت منظوري للرجال عامةً. بالنسبة لي الأمر مثير للسخرية ودائمًا ما أتمكن من إضحاك الجميع عندما أصفه أو أتحدث عنه، لكنني في هذا العام من حياتي بالتحديد أدركت أنه فعل الكثير بدون أن يفعل أي شيء. وبأنه له مساهمات عظيمة في مجلدات الصدمات النفسية والحمولة الشعورية التي أحملها معي أينما كنت.
المثير للاهتمام بالنسبة لي هو كم الأذى الذي يمكن أن يتسبب به أحدهم لمجرد أنه لم يفعل أي شيء! متفرج عاجز؟ رجل كرسي؟ غير مهتم؟.. الخلاصة أنه كان موجودًا لكنه لم يكن حاضرًا.
تقول الأغنية: إليك بعض الأشياء التي أريدك أن تعرفها قد يتغير الوقت ويزداد الظلام حلكة ربما تكبر وترتكب أخطاء كثيرة أو تختار طريقًا غير ممهدة لكنني سأبقى هنا
قد لا أتمكن من إيقاف المطر لكنني سأخفف عنك الألم
سأحبك دائمًا أينما ذهبت ومهما ابتعدت سأحبك دائمًا أكثر مما تتصور سأكون لك وطنًا دائمًا
فقد أحد أصدقائي المقربين والده منذ فترة بسيطة. كان والدًا عظيمًا، تمنى صديقي لو استطاع أن يخبر العالم كله عن الأثر الذي تركه والده، عن قصصه وأخباره، عن حضوره والبهجة التي يبعثها تواجده، عن التفاصيل الصغيرة التي قد لا يعيرها أحد الاهتمام.
كان دائمًا ما يشاركني تلك التفاصيل وتتشكّل عندي صورة عن ذلك الأب الرائع. عند نقطة معينة وبصورة لا واعية، قررت أنه إذا أردت يومًا ما أن أنجب طفلًا فلن أقبل بأن يكون والده أقل من والد صديقي الراحل.
(point of reference) في رحلة التشافي، تعلمت الكثير عن أهمية وجود مرجع أو نقطة مرجعية
أعود إليها دائمًا عندما يتمكن مني القلق أو تسيطر علي الأفكار السلبية، وأعتقد أن والدي لابد وأنه يتمنى، أو هذا ما قررت أن أؤمن به؛ يتمنى أن يكون كذلك. ورغم أن للأمنيات نشوة خاصة، إلا أنها لا تغير الواقع. فوالدي لم ينجح في أن يكون النقطة المرجعية في علاقاتي مع أبناء جنسه أو حتى في الدور الأساسي الذي كان من المفترض أن يلعبه في حياتي. ولا بأس بذلك.
عزائي الوحيد هو أنه لم يكن عقبة في طريقي عندما حلقت بعيدًا، فاكتشفت أن الآباء الذين يشكلون أوطانًا ليسوا ضربًا من الخيال، بل حقيقيون وملهمون وأثرهم باقٍ وقوي بما يكفي ليزرع الأمل في قلبي كل يوم.
Leave a comment