إسراء الصغيرة وأمينة الكبيرة

جلست إسراء الصغيرة (أطلق عليها هذا الاسم أخوها إبراهيم ليفرق بينها وبين ابنة أختي التي تحمل نفس الاسم) وبدأت تخبر ابنة أختي عن بلدها وبيتها وكيف أنها سترحل قريبًا فبدأت ابنة أختي بالبكاء لأنها لا تريد أن ترحل صديقتها الوحيدة في البيت. تقلّب إسراء في الصور بحماسة وتشير هذه جدتي وهذا منزلنا وأمي تقول إننا سنذهب للحبشة (إثيوبيا). نهرت أمي إسراء الصغيرة وأخبرتها أن تتوقف عن قول الأكاذيب! نظرتُ إلى وجه الطفلة الذي بدا خائفا رغم إصرارها: ” لا أنا ما أكذب أمي قالتلي”. فطلبت من أمي التوقف عن تكذيبها ومراعاة أنها تعي بأننا لسنا عائلتها الحقيقية وبأن لها بلدٌ تخبرها أمها بكل القصص عنه وتعدها بالعودة إليه يومًا ما.

شعرت حينها بتقدير كبير تجاه حواء (والدة إسراء الصغيرة وإبراهيم) عاملتنا المنزلية، لأنها تخبر ولديها بالقصص عن بلدهم الأم وتشاركهم صورًا، حرصت إسراء على تقديمها كافة كأدلة بعد أن شككت أمي في صدق روايتها. ودفعني هذا الموقف للتساؤل عمّا إذا كانت حواء تعي أهمية الانتماء وتحرص على تثقيف أطفالها وإخبارهم عن بلدهم أم أنها تشاركهم هذه القصص من فرط الحنين إلى المكان الذي ولدت وترعرعت فيه ثم أجبرتها الظروف للرحيل عنه.

أخبرني والداي بقصة مختلفة تمامًا عن بلدي الأم، لا يقول أبي الكثير غير أنه هرب، نجا بنفسه من حياة البادية القاسية. وأمي كانت تكتفي بجمل مختصرة ومُصاغة بحذر: ” كان مكانًا جميلًا، لكن بلد الحرمين أجمل، اسأل الله ألا يخرجني ويخرجك منها” هكذا ببساطة!

لا أذكر أنهما حاولا ترويج المكان بأي شكل من الأشكال، كما تفعل حواء مع أطفالها. لم يهتما لزرع الثقافة الموريتانية كذلك. ركزا على الأجزاء التي تهمهما، حفظ القرآن منذ سن مبكرة وتعلم الأبجدية وفك الخط قبل بدء المرحلة الدراسية. أذكر أنني كنتُ أملك لوحًا خشبيا كتلك الألواح التي نراها في تقارير الأخبار عن المحظرة الموريتانية. كنت أستخدم الطباشير للكتابة عليه واستخدمه للّعب غالبًا.

كبرت وبت أملك الأدوات التي تساعدني لاستكشاف هذا البلد الغامض بنفسي، تخبطت طويلّا بلا هوية ثم قررت سأبني عائلة وتكون هي وطني وهويتي وقد أقرر أن أعود إلى حيث أنتمي فعلا إلى بلدي الأم. لأسباب عديدة _لا أرغب في التطرق إليها_ فشل مشروع العائلة. فعدت أجر أذيال الخيبة ثم قررت لما لا تكون عائلتي التي ولدت فيها هي هذا الوطن وهذه الهوية، وبطبيعة الحال فشل هذا المشروع أيضًا فللعائلات قدرة لا متناهية في تخييب الآمال.

وهكذا وجدت نفسي بلا انتماءات أو هوية، مُحمّلة بالخيبات ومرارة النبذ وكره الذات.

شاءت الأقدار أن يتقاطع طريقي بطريق عدة أصدقاء لا منتمين، فأصبحت هذه سمتي الأبرز وجزءًا لا يتجزأ من شخصيتي.

ازدهرنا في غربتنا، وتوسمنا الاغتراب كنيشان شرف، ثم أخذتنا الحياة في طرق مختلفة وعاودني الشعور بعدم الانتماء.

بدأت رحلتي الخاصة لمعرفة نفسي، تفكيك مجموع المحن التي شكّلت هذا الكائن المعقد المنعزل الكاره لذاته.

وفي خيالي الخصب أحلم دائما بأن تتكلل رحلتي بإيجاد انتماء حقيقي، ووطن لا يمكن لأحد أن ينتزعه مني أو يشكك في وجوده، وإيمانٌ كإيمان إسراء الذي منحها القوة للوقوف في وجه المكذبين.

Topic:

Leave a comment