كزّب وسلّينا

اكتب كما لو كنت تكتب لنفسك.

 ابدأ بدون أن تفكر.

ضع هدفًا لنفسك قبل أن تبدأ، لا تنتظر الإلهام.

أنت صيّاد، والفكرة هي سمكتك التي يجب أن تنتظرها بصبر وتفانٍ.

كل هذه النصائح وأكثر وجدتها بينما كنت أبحث عن حل لحبسة الكاتب التي أعاني منها منذ مدة، بعض الحلول العملية الأخرى والخطط المحكمة لرفع الإنتاجية، والكثير ثم الكثير من المقاطع التي تعلّم أساسيات الكتابة الإعلانية (هكذا قررت ترجمة كلمة copywriting)

ما جعلني أتذكر أنها مهنة من لا مهنة له، وأنها كمجال الإلقاء أو التقديم والعلاقات العامة والتسويق حزمة متكاملة للدفع بالأشخاص ليتقنوا مهارة البيع! بيع فكرة، بيع منتج، بيع شخص، أو حتى بيع أنفسهم.

قبل عدة أيام كنت أعطي الطالب المتدرب بعض الملاحظات على محتوى كتبه لإحدى العلامات التجارية لدينا، فقلت له ” لا تركز كافة المحتوى على جودة الطعم وعظمة المنتج، تذكّر أننا نبيع الحالة الشعورية أيضًا، ما الذي ستشعر به إن استهلكت هذا المنتج؟ هذا ما نفعله هنا! نبيع السعادة، والاجتماع مع العائلة، والحب والرغبة.

أذكر بعدها أنني شعرت بالاشمئزاز من نفسي، ومما أفعل كل يوم. واستغرقت أكثر في دوامة الحبسة الكتابية لتتحول إلى أزمة وجودية.

مالذي أفعله في حياتي؟ لماذا أعمل في مجال بيع الوهم. مجال يوهم المتلقي بحاجته الماسة إلى منتج لم يره من قبل، فقط لأننا وقّعنا أسفله بكلمات ساحرة وأظهرنا صورة شخص يشع سعادة بجانب المنتج.

لن أدخل في أخلاقية ما أقوم به من عدمها، فهذا باب يطول الجدال فيه. إلا أنني بكل صدق بت أتساءل عن قيمة ما أقوم به كل يوم وكيف ينعكس على جوانب حياتي الأخرى، وكيف لوظيفة أهم مهارة فيها هي القدرة على التلاعب بعقول الآخرين أن ترضي شغفي وتمنحني الرضا والسلام الداخلي.

وهل هذا هو المغزى من الوظيفة؟

تجيب أمينة التي تحسّنت حياتها بنسبة مئة بالمئة كنتيجة لدخولها هذا المجال قبل ست سنوات من آخر الغرفة (لاااااا.. شوف الهبلة ذي)

وتستكمل: الوظيفة يا ماما مهمّتها تعطيك أمان مادي، استقلال، وقوة! وظيفتك وفلوسك قوة! من غير فلوس واستقلال مادي سلّميلي على السلام النفسي.

أرد عليها بكل أدب: أفهم هذا، لا داعي لنبرة التعالي والاستخفاف!

ثم تقول: نبرتي هذه هو لأنك لم تسأمي من غناء هذا الموّال، ليست هذه المرة الأولى ولا أعتقد أنها الأخيرة التي ستمرين فيها بحالة التشكيك في كل شيء والنفور من كل ما تقومين به وتسرحين في خيالك بأن القيام بشيء ذو معنى هو ما سيرضيك وهو المغزى الحقيقي لوجودك..إلخ إلخ وكلنا نعرف أنك لن تطيقي العيش في حالة مادية أقل من حالتك المادية الآن وبعد أول شهر من التخبط في العمل في مكان ” يعطيك الشعور بالرضى والعمل فيه له معنى” ونصف ما تتقاضينه الآن! ستعودين ركضًا لعالم بيع الوهم كما سمّيته!! (والله محد موهوم غيرك).

وهكذا.. أقوم بتمارين الجمباز العقلية هذه واشتبك مع بنات أفكاري كل ليلة. بدون جدوى.

ثم أتساءل، أليست الرأسمالية أكبر كذبة نعيش فيها جميعًا؟ كيف سيختلف العالم إن قررت التوقف عن الكتابة الإعلانية؟ من المرجح أن الكثير من الكُتّاب الآخرين سينضمون لسوق العمل، والمتدربين سيجدون من يدلهم على طريق التلاعب النفسي، والذكاء الاصطناعي سيكتب الكثير من العبارات الإعلانية البشعة وغير المُدققة، ولن يهتم أحد. ستواصل المنتجات في الزيادة وستتسابق العلامات التجارية على تصفير حسابك البنكي ولن ينتهي هذا الكابوس إلا بنهاية العالم.

لكنني لم أعد أرغب بأن أكون جزْءًا منه!

ولا أعرف طريقة أخرى للنجاة في هذا العالم، بدون الاستقرار المادي. من يدري كم ستستمر حبستي الكتابية أو أزمتي الوجودية هذه وكم ستكلفني. أجل! ستكلفّني، أنا أتحدث بلغة البيع والشراء عن حالتي النفسية. لأنني لا أملك رفاهية البقاء مكتوفة اليدين بينما تستمر عجلة العمل بالدوران وإلا ستطحنني مع آخر ما بقي من قدراتي الإبداعية (إذا كان بقي منها شي أصلا).

Topic:

Leave a comment