جدتي فاطمة

أذكر تفاصيل وجهها كلما انشقت شفتاها عن ابتسامتها المشرقة لحظة دخولنا المنزل، كنت أحب ابتسامتها كثيرًا.

كانت قاسية وجافة بطبعها، لكنها تغدقني بالدعاء كلما أصبت في تلبية طلب من طلباتها أو وجدت الحل لمشكلة كانت تعاني منها. كانت مشكلاتها سخيفة بنظري، إضاءة تسطع خارج الغرفة وتتسلل إليها عبر شق في الباب، عود سواك ضائع، حبوب الدواء توشك أن تنتهي.

كانت امرأة قوية، رحلت وتركت كل ما تعرفه ونصف عائلتها وراءها، هاجرت حيث لا شيء مضمون وأصّرت:

” أنا ماني ماشة ما مشات معايا السلطانة “

أمي متكورة في زاوية الغرفة المظلمة، تبكي بحرقة وتستمع إلى الحديث الذي يدور بين جدتي وخالتي، حديث يناقش مستقبلها ومصير حياتها. تستنكر خالتي الكبرى قرار جدتي، وتذكرها بأن أمي هي السبب في تعطيل سفرهم جميعًا وتقترح على جدتي: ” نمشوا احنا ويعقبوا يتلبوها لنا “. تعي أمي أن أحدًا لن يأتي لأخذها إن تركوها ورائهم وتضيق بها الأرض. تكرر جدتي بإصرار ” ماني ماشة عنها “.

كانت أمي الابنة الوحيدة التي لا تزال في عهدة والديها ذلك الحين، العانس بين أربع أخوات، جاء لكل منهنّ نصيبها وقررت اثنتين منهما الانتقال إلى السعودية مع أزواجهنّ وأخذ جدتي وجدي معهم.

غضبت خالتي، وضعف موقف أمي كثيرًا، ووعدت نفسها بأن تقبل بأي خاطب لها مجرد أن تصل السعودية لتتحرر من ضغط خالتي ولا يشعرها أحد بأنها عبء وحمل ثقيل. مفاجأة! كان ذلك الخاطب، أبي.

من هنا يبدأ امتناني لتلك المرأة التي لا أملك الكثير من الذكريات السعيدة معها، منذ اللحظة التي أصرّت فيها ألا تترك أمي وراءها لمصير لا يعلمه إلا الله. تعسرت أوراقها واضطروا لتأجيل رحلتهم وخسروا مبالغ كثيرة، لكنها أصرّت ” لن أغادر بدونها “.

أذكر بوضوح كيف كانت على فراش الموت، ضعيفة، عاجزة، فقدت قدرتها على الكلام. تجلس أمي قبالتها وتذرف الدموع وأقف أنا على رأس أمي متسمّرة. لا أشعر بشيء. مشلولة شعوريًا إن صح القول، خضت الكثير قبل تلك الفترة وكنت أعاني الأمريّن بسبب الصدمة النفسية التي مررت بها في ذلك العام.

تنظر إلينا بعينين زائغتين، تحدثها أمي وتستجديها للرد، تنظر في عينها ويُخيّل إليها أنها تعي ما تقول:

” أمي حبيبتي، ناقصك شي، نعطيك شي.. توتو أنتِ عارفة أنا مين؟ “

اسمها فاطمة، كنا نناديها ” أمي توتو” بشدّ التائين. أغالب دموعي وأنا أكتب عنها الآن. وكأن بابًا سحريًا مؤديًا إلى كل وجع الفقد فُتح على مصراعيه فجأة.

أقاوم رغبتي العاطفية الغالبة لكيلا أتصل على أمي الآن لأخبرها بأنني وجدته. وجدت الحزن الذي لم أستطع أن أستشعره في تلك اللحظة، وجدت مشاعري الحقيقية تجاه ما كان يحدث حينها. عندما نمت معها في المستشفى وسمعت أنينها، عندما بت جانبها ليال كثيرة وعندما وقفت عند ركن السرير وهي تحتضر. تراني ولا تعرف من أنا، ابتسم ولا تبادلني بابتسامتها التي أحب. أريد أن أخبرها أنني أحببت أمها وأنني أشتاق إليها. أريد أن اسألها إن كانت تذكرها وتحزن عليها كما أنا حزينة عليها الآن.

جدتي ماتت منذ ما يزيد على سبعة أعوام.

سبعة أعوام وأنا أخبئ هذا الحزن في مكانٍ قصيّ، وأنا أكرر كلما سُئلت عن وفاتها ” لم نكن مقربين، لم اتأثر لرحيلها “

لكنها كانت قريبة، كانت تحب البقاء في منزلنا، تحب كثرة عددنا وتُلقي الشعر في استقبالنا، كانت تعتني بي وبإخوتي عندما يذهب والداي لأداء الحج، كانت تقبل خديّ عندما كنت طفلة وتحمل في حقيبتها سُكّر النبات لتعطي كل منّا قطعة بعد كل قبلة.

كانت يتيمة الأم، شديدة البأس، حنونة مع الذكور وقاسية على الإناث. كانت مُحبّةً رغم مرارة الظروف وقسوة الحياة التي كابدتها.

تلك هي المرأة التي ربّت أمي، جدتي فاطمة هي الانتماء الذي لا أشك فيه، هي الجذور التي أحملها معي أينما ذهبت، هي الوجع الذي لم أكن أعي عمقه في دواخلي. هي القسوة على الذات التي ورّثتها لابنتها ولي. هي القوة التي أحملها لمواجهة كل محنة، والصمود أمام المجهول، والإصرار على الحياة.

Topic:

Leave a comment