أوقفوا هذه التفاهة

يمكن أن نعتبر كل تجربة حياتية ذاتية هي حالة خاصة يصعب شرحها أو يقصر التعبير عنها، لكن الأمر في حياة المرأة تحديدا يصبح أكثر صعوبة وذلك لأن الصوت المعبر عنها غالبا ما يكون صوت آخر غير صوتها. وعلى كثرة الأصوات التي تتحدث بالنيابة عنها في كل يوم وفي كل حرب وكل قضية إلا أن السواد الأعظم من هذه الأصوات هو أبعد ما يكون عنها وعن صوتها الحقيقي. ربما على الجميع ببساطة اعتزال هذا المجال والتوقف عن محاولة التعبير عن مآسي المرأة والمدافعة عنها وكتابة قصتها والمحاولة بجهد واضح مشاركتها شعورها، لأن ما يحدث في دواخلنا عصي على الشرح.

18301127_1503421833023953_6975038700200281517_n

أعتقد أن محاولتي لأن أشرح له لماذا يجب أن أقوم بفتح جرة الجبنة بنفسي أو ضرورة أن أتم تدقيق المقالة بدون مساعدته هو جزء من هذا الذي لا يمكن شرحه، تلك الغرابة التي تعتليني عندما يسمح لي بأن أرفض تقبيله هي شيء لا يُشرح أيضا، كما أن صمتي إزاء تصرف البائع في المركز عندما لمس عن قصد أطراف أصابعي أثناء مناولتي مشترياتي واستدراكي للنظرة على وجهه وأنا في طريق عودتي للمنزل هي ما لا يُشرح.

ولأنني قضيت عمرا كاملا من ال”غصب” و”عشانهم” و”أهم شي ترضيه ” لازلت أعاني لأتقبل أنه ليس علي إمتاع شريكي بما لا يمتعني أو تقبيله عندما لا يحلو لي ذلك، أعتقد أن المدة التي تلقيت فيها كل هذه الرسائل وزرعت في داخلي كل تلك الأفكار هي نفسها التي أحتاج إليها للتخلص منها بشكل نهائي وأبدي! أرأيتم هذا لا يمكن شرحه أيضا. بالنسبة لي أنا فالأشد غرابة من كل هذا هو محاولاتي اللانهائية لجعل كل ما أمر به قابلا للمشاركة معه هو تحديدا، مما يدفعني لوضع الكثير من التوضيحات والعلامات الإرشادية داخل عقلي والإشارة لتفصيلات الأمور ودقائقها بشكل متكرر هو في أقل ما يوصف به ” ممل ” وأعترف أنني أسأم التكرار أحيانا لكنني أشعر بالرضا عن هذا الملل الذي أسببه عندما أرى كيف تتغير الطريقة التي يفكر بها في أخته وأمه وزميلاته في بيئة العمل بسبب محاولاتي للشرح. كلانا يعرف أن حياتي عصية على الشرح كأي امرأة أخرى على وجه الكرة الأرضية لكن علينا أن نقاوم هذا سويا، أقاوم أنا بشرحي المتكرر وملاحظاتي المملة ويقاوم هو بأسئلته الكثيرة وتعجبه الدائم وأسفه اللانهائي على الآلام التي لا يعرف منها إلا وجها واحدا فقط وهو وجه ناقص وغير متطابق مع الحقيقة تماما.

ترى كم من المرات اعتقدت أنك تعرف كل ما عليك معرفته عن النساء في حياتك؟ أقول لك إنك لا تعرف أي شيء حتى وإن قلن لك أنك تعرف كل شيء. إن بعض الأفكار والأحاسيس لا نسمح لها بان تلد فتموت في الداخل، يبقى على السطح ذلك السكون الذي يسمح لك بالاعتقاد بأنك تعرف ما يكفي فقط لتبقى على مقربة. لكن جوهر الأمر في الحقيقة هو بأنك لا تعرف أي شيء وحتى عندما تبدأ بالتقرب كن متيقنا بأن هناك دائما ما سيبقى عصيا على الشرح وعصي على فهمك كآخر\رجل.

وكم كان اعتذار أحد الأصدقاء لائقا وفي محله عندما تراجع عن مواساته لي ومحاولته بأن يفهم ما يحدث معي أو يقارنه بما يمر به، قال ” كم أنا تافه! ” عندما وقعت عيني على تلك الكلمة شعرت بأنها أكثر ما يناسب كل أولئك الأحبة الأوفياء أو الأصدقاء الودودين وحتى الرفاق النسويين وكل من يصدق أنه قادر على التحدث بالنيابة عن المرأة أو المشاركة في صوت المرأة والإحساس بمعاناة المرأة، أقول لهم: ” أوقفوا هذه التفاهة “.

Topic:

Leave a comment