أحب السلام في العلاقات، أنا آخر شخص سيختار أن يُغضب صديقة/ صديق. كذلك في علاقتنا، لا أحب أن نختلف وهو يشاركني هذا الأمر. نعتذر إن أخطأنا ونتأكد من تخلص المُعتذر من شعوره بالذنب تماما. إننا حساسين جدًا ومنسجمين إلى حد كبير. ولكنني أواجه صعوبة في التعبير عن مشاعري أحيانا، وقد تكرر هذا للحد الذي أزعجني وتم إعلان حالة الطوارئ في دماغي. أفكر كثيرا منذ يومين، لماذا شعرت بهذا؟ كيف أتجاوز الأمر للأبد؟ كيف أمنع تكراره؟
في الحقيقة إن جزءًا كبيرًا مني يعي تماما بأنني أواجه هذه الصعوبة منذ الأزل، أي أن شريكي ليس السبب في ذلك، والجو والمزاج والاحتباس الحراري وكل العوامل الخارجية المحتملة بريئة تماما. الساخر في هذا الأمر هو أنني حاولت التعامل معه بالطريقة نفسها في علاقاتي السابقة، مع التنويه إلى أنني انشغلت بالتعامل بحل مشاكلي مع شريكي السابق فنسيت نفسي وعقدها معه. لكن في التجربة التي سبقت آنف الذكر، تعاملت مع عقدي كما أحب التعامل مع كل شيء بتفانٍ ورغبة صادقة في التخلص من الأمر، كأنني وجدت غصنا موبوءا في شجرة ضخمة وقررت اقتلاعه من جذوره. أذكر أنني كنت أتابع برنامجا للصحة النفسية لطبيب سعودي أتحفظ على ذكر اسمه. ثم افتح ورقة وأنسخ جملة محددة لعدد لا نهائي. جملة كان من المفترض بها أن تكون السبيل لشفائي وتخلصي من هوسي هذا. كنت أجلس يوميا مع نفسي لوقت طويل جدًا، أقسو عليها وأحلل تصرفاتها، أعاتبها، وأنتقدها ثم أتوجه إليه وأخبره عن البرنامج التأديبي القاسي وأعترف أنه كان غير مبالٍ، لم يهتم بنكران ما أعانيه من صعوبات في التعامل مع المشاعر ولم يهتم بإثباتها أيضا. استمريت في العمل على نفسي لوقت طويل، لقد تغيرت بعض الأشياء فعلا بالنسبة لي، أصبحت أقدر على الاعتذار إذا أخطأت وكذلك أكثر انطلاقا في التعبير عن العاطفة عموما. اعتقدت حينها أنني اقتلعته للأبد، ويمكن في هذا المقام أن أعترف بامتناني للحياة الكبيرة ومحطاتها القليلة التي تنقلت بينها، لأن لها أثرًا في اكتشافي لذاتي أولا وتعاملي مع عقدي النفسية على مستويات عدة. إن وجودي بين أفراد الأسرة لما يزيد على العشرين عاما لم يسمح لي باستكشاف ” المعيار الطبيعي ” لمدى قدرة الفرد النفسية والعقلية على التعامل مع المشاعر السلبية والإيجابية وتحليلها والتعامل معها، كان من الطبيعي جدًا أن أحزن بشدة ثم لا أتحدث أبدًا عن الأمر، ومن الطبيعي أيضا أن أصل أقصى مراحل السعادة ولا أظهر هذا أو أشاركه، كان من غير المألوف أن نخبر بعضنا البعض بالحب الذي نملكه، كان من غير الطبيعي أيضا أن نقترب حد الاحتضان أو نلمس بعضنا البعض لإظهار المساندة. كان عالم المشاعر غامضا وملتبسا وغير مفهوم. وحتى هذا اليوم، بالنسبة لأسرتي أنا شخصٌ سويّ ذو مزاج حاد، هذا كل ما في الأمر. لكن ما لا يعرفونه هو إنني أعاني لعدة أسباب، وسبب جهلهم هو أنهم يشاركونني المشاكل ذاتها ونعتقد جميعا بأننا طبيعيين نظرا ” لمعيار الأسرة” أي بحسب الشجرة فالغصن سليم ومعافى تماما. لم أقرأ عن الصحة النفسية كثيرا، ولست مهتمة بزيارة معالج نفسي أو محلل نفسي في أي وقت قريب. لكنني أدرك بشكل لا شك فيه بأنني أرى الأحاسيس وأتعامل مع العواطف بالحدية ذاتها التي أعامل بها كل شيء في حياتي والرغبة نفسها في السيطرة على كل شيء، مما يؤدي إلى سهولة الوقوع في فخ الإحباط والتفكير والقلق المزمن والخوف. مع أن الأمر ببساطة هو شعور إنساني عميق يملكه أي شخص يعد نفسه جزءًا من علاقة جميلة، الاشتياق والحب والرغبة. هذه المرة لن أحاول إيجاد حل سريع وجاهز للمشكلة، ولن آمل إن تختفي بين سنة وأخرى هذه المرة سألتزم واقعية بعيدة عن التشاؤم أو التفاؤل، سأحاول أن أكون أكثر وعيا بنفسي في المرة القادمة. هذا كل ما أستطيع تقديمه، لن تتبدل جيناتي أو يختفي أثر نشأتي للأبد، فلا معنى للمحاولة وتضييع الوقت في النقاشات العبثية لمحاولة إثبات المُثبت. ربما قضيت ما يكفي من الوقت مع نفسي لأكون أكثر دراية بعقدها ومشاكلها وخصوصيتها ولا بأس إن لم يعرف الآخر ذلك ولا بأس إن لم يرغب في الاعتراف به وتحليله، في الحقيقة كل ما أريده هو هذا الحب، حب يقبلني بكل علّاتي ومحني وعقدي ومخاوفي. وها قد حصلت عليه.
اترك رد