الوداع الأول

احتضنني بقوة بين ذراعيه وقال ” حتوحشيني ” وكررها مرارا وهو ينظر إلى عيني بينما أمر في حالة من الإنكار لكل شيء. بقيت صامتة وبينما نسير بخطوات سريعة نحو الباب، أخبرته بأنني سأبكي الليلة كثيرا فعليه أن يستعد لذلك. ربما أدركت بعد مدة زمنية كافية من معاشرتي بأنني شخص كتوم لمشاعره، لا أعبر عنها بشكل صارخ في العلن إلا ما ندر. لا تخفى على ملامح وجهي، لكنني أحملها معي للبيت ثم للسرير حتى يحمل الليل ثقل جسدي وأتخفف من كل ما علق بروحي خلال اليوم. وصلنا إلى السيارة، فإذا به ينزع قميصه الذي كان يرتديه ويقدمه لي، أتسائل الآن كانت فكرة من منا أن نتبادل قطع الملابس، أرتدى قميصا مختلفا وقام بإدارة المحرك والانطلاق. على عكس الكثير من المرات التي قام بإيصالي فيها، لم أفلت يده ولا مرة وكان هذا بحد ذاته مؤشرا سيئا. لطالما اعتدت على أن أسحب يدي من يده وأبتعد مسرعة عن حضنه لأنني أعاني من لعنة الشعور المرضي بالخوف فأتخيل أن أحدا يعرفه يمر بسيارته، أو يكون جالسا على طاولة ما في المكان نفسه الذي نجلس فيه. أحب أن أدخل الأماكن أولا وحدي، لابد أن أقوم بمسح ضوئي سريع وعندما أتأكد ألا أحد يعرفني متواجد فيها يهدأ قلقي مؤقتا، ويبدأ من جديد مع دخول كل زبون. هذه المرة عندما أوصلني للمرة الأخيرة بالسيارة أصابني تبلد لم أفهمه، في الحقيقة لا يغيب عني أن السبب فيه هو أن لحظة الوداع اقتربت. أمسكت يده بقوة ثم أرخيت قبضتي، أبعدتها للحظات _ أدرب نفسي على البُعد_ ثم وضعت يدي على يده. باطن كفي يستلقي على ظاهر كفه. قبضت على يده بقوة من جديد هذه المرة ودعت أجزاءها وأنا أغالب الدموع. إنه إحساس بالمرارة والأسى والظلم، من بعد اليوم سيكون عليّ أن أرى أصابعه من خلال الصور بدون أن أكون قادرة على لمسها. أين العدل في هذا؟

أؤمن بأن الزمن قادر على مداواة كل الجراح، وبأن للإنسان قدرة على التكيف مع أسوأ الظروف وهي هبة ولعنة في الآن نفسه. أرتدي الآن قميصه الأسود الذي لا يزال يحمل رائحته، أمد يدي لاستنشق رائحته بين حين وآخر. رأسي ثقيل جدًا هذا الصباح وعيناي متورمتان، بكيث كثيرا وتألمت للمرة الثانية في هذا الحب. كانت الأولى عندما تقدم لخطبتي ورفضته عائلتي. لا أذكر مرة أنني بكيت لهذا الحد إلا في تلك الليلة اللعينة. البارحة كان يؤلمني بأن خيار رؤيته لن يكون متاحا دائما، وبأنني لن أجده واقفا على باب المنزل ينتظرني لآخذ منه طعامي المفضل الذي أحضره لي لأنني أرفض تناول أي شيء آخر، أو عند باب قسم طوارئ المستشفى في سيارته ينتظرني لأجلس بجانبه ونشرب القهوة سويا، أو عند باب مقر عملي ليقدم مفاجأته الصغيرة لي (كوب من القهوة وكعك محلى) ” هذه من المحل اللي فاتح جديد جربتها وعجبتني وقلت لازم أخليك تجربيها “، أو عند أبواب المقاهي والمطاعم بدون تخطيط مسبق أو تأكيد على أنني سأظهر. كان يؤلمني بأننا سنخسر ميزة الاحتمال اللذيذ، يفتح سؤال ” أنت فينك الآن؟” باب الاحتمال الذي لا يغلق إلا بظهور أحدنا في مكان غير متوقع لينضم للآخر. كانت أجمل هذه المرات تلك التي فاجأته فيها بين مجموعة من أصدقائنا، النظرة على وجهه والتي كانت مزيجا بين الصدمة والسعادة تقول كل شيء، لقد نجحت في مفاجأته واعترف لي بذلك. كان يؤلمني بأن أحدنا لن يستطيع أن يستنجد بالآخر إن جارت عليه الدنيا فيطلب لقاءا طارئا مستعجلا يخفف عنه ما مر به ويعيد إلى قلبه السكينة، ويؤلمني أن ” يوم السبت ” لن يكون موعدنا من كل أسبوع وبأن مقاعد الأماكن التي جمعتنا مرارا وتكرارا ستعاملنا كالأغراب مجددا، وبأنك لن ترسم على وجهك تلك الملامح التي لا أستطيع مقاومتها في كل مرة تأتي للقاء وبين يديك عمل لم تنهيه بعد، وبأنك لن تصاب بالجنون في كل مرة أتأخر أو أغير المكان في آخر لحظة أو ألغي الموعد في الساعة الأخيرة.

وأشد ما يؤلمني أن المدينة لن تكون هي المدينة، شوارعها، محالها، حاراتها، أزقتها، لن يعود لي شيء هنا بعد رحيلك. ولن يهمني استكشاف الأماكن الجديدة فيها وحتى تلك التي لم نجد الوقت لاستكشافها لا أنوي زيارتها بعدك. الوقت سيحلّ لعنته علي. من كان ليصدق بأنه سيأتي الوقت المناسب ولن يكون هناك مكان مناسب!!


Leave a comment