عودة الابنة الضالة

لا أعرف كيف يستمتع الأشخاص بقضاء الوقت مع أنفسهم، وأعني ذلك حقيقيةً! التعايش مع الضآلة المثيرة للاشمئزاز، والنُسخ الكربونية، إعادة خلق الحوارات السخيفة نفسها وسلسلة الأفكار غير المجدية. ربما يسهلُ فعل ذلك عندما لا تعرف من أنت حقيقةً، ولكن في حالة المقدرة على التجرّد أمام ذاتك ومراقبة كل تلك التفاصيل البائسة يغدو الأمر مضيعةً للوقت لا محالة.

أو قد يكون الأمر ببساطة هو قدرةٌ خارقةٌ على تقبّل الذات، وهو ما يدعوني إلى الذهول. أذكر أن صديقًا لي كان يخبرني مرارًا عن تقديره ” لتصالحي مع نفسي ” ولطالما كنت أسخر من وصفه ذلك بيني وبين نفسي طبعًا. معاذ الله أن أُنكر على نفسي مديحًا مجانيًا غير مُستحق هه! تصالح! كان من باب أولى أن يسمّيه استسلام، لا مبالاة، استماتة لإثارة إعجاب الآخرين.. كلها بالنسبة لي أكثر دقةً من مصطلح التصالح مع الذات.

أنا:

ماذا تريدين؟

بماذا تفكرين؟

كيف توصلتي إلى هذه الخيارات؟

لماذا تتطلعين إلى كل شيئ لم يُقدّر لكِ؟

هل كان من الضروريّ أن تختاري هذه الحياة؟ توقفتُ عن الكتابة منذ أن تركتُ منزل والديّ، كانت تلك اللحظة الفارقة، أصبحت الحياة أكثر واقعيةً وأقل لطفًا. لم أعد أجد الوقت لانكفئ على شاشة الحاسوب واتقيأ حالتي الشعورية على شكل نصوص طويلة لا يقرأها أحد. بتُّ مسؤولة عن نفسي تمامًا، وتُركت لمواجهة خياراتي في الحياة وحيدة. كان العام الأول قاسيًا جدًا. وتحسّن الأمر بمرور الأيام. لكن السؤال الذي لا يفارقني كلما مررتُ بضائقة أو مرحلة اكتئاب عابرة هو ” هل كان من الضروري أن اختار هذه الحياة؟ ” ولم أجد إجابة شافيةً بعد.

أعترف بأنني لم أكن مستعدة لمواجهة نفسي منذ اتخذت هذه الخطوة، سأكمل ثلاث سنوات بعد عدة أسابيع. ولا زالت محتقنةً بالغضب نفسه مذ وقفت عند عتبة الباب وودعتهم.

الغضب:

سألني صديقٌ ذات مرة: لم أركِ يومًا غاضبة! لا أشعر بأنكِ شخص عصبيّ. وقد كان مُحقًا. لا أبدو كشخصٍ عصبيّ. انفعل من وقت لآخر بطبيعة الحال كأي إنسان لكنني دفنتُ أمينة العصبيّة في ذلك المنزل، وعند تلك العتبة. من المثير للشفقة والسخرية في آن أن الابتعاد عن البيئة المُسببة للصدمات والأوجاع يمنح الإنسان وهم الخلاص فيستقبله على هيئة تحرر وتشافي. لكن الحقيقةَ المُرّة هي أن كل ذلك العضب لم يكن يسكنُ ذاك البيت بل كان يسكنني ـ ولا يزال ـ. بعد سنواتٍ من المِران والدُربة بت شخصًا أكثر هدوءا، وكدّست غضبي في أعمق نقطة من دواخلي. ذلك الغضب الذي كان يُحطّم الأشياء في المنزل، يدفعني لضرب أختي الصغيرة وإيذاء نفسي يتكدّس منذ 28 سنة، لا يزال هناك في مكانٍ ما، وحدها النهايات قادرةٌ على بعثه إلى الحياة.

هُم:

بالحديث عن النهايات؛ الشركاء الحميمون رائعون. إلى أن تصل العلاقة نقطة اللا عودة، وكُل علاقاتي تصل إلى تلك النقطة طال الزمن أو قَصُر. وغالبًا ما يتوصل أحبتي السابقون لقول الأشياء نفسها في النهاية، مع اختلاف التعابير واللغة المُستخدمة أحيانًا. تنتهي القصة فيظهر الغضب على السطح، غضبٌ ساحق، يدمّر كل شيئ ويعود دائمًا للنقطة الأولى، العتبة نفسها.

هل كان من الضروريّ أن تختاري هذه الحياة، ماذا لو لم تغادري تلك العتبة؟

Topic:

Leave a comment