بعد رحلتها الأليمة في أيام الهجران، تستعيد “أولغا” نفسها شيئا فشيئا بعد أن كادت تضيع، كقشرة امرأة خاوية ظهرت من العدم ثمّ اختفت دون أن تخلّف أي أثر.
كانت هذه المحادثة الأخيرة التي دارت بينها وبين ماريو (زوجها الذي هجرها) يسألها:
” هل صحيح أنكِ لم تعودي تحبّينني؟”
” نعم”
” لماذا؟ ألأنني كذبت عليكِ؟ ألأنني هجرتكِ؟ ألأنني أهنتكِ؟ ”
” لا، عندمات شعرتُ أنني خُدعت، وهُجرت، وأُهنت، أحببتك كثيرًا، واشتهيتك أكثر من أيّ وقت من حياتنا معًا”
” ماذا إذًا؟”
” لم أعد أحبك، لأنك ولتبرر لنفسك، قلت إنك وقعت في الفراغ، في غياب المعنى، ولم يكن ذلك صحيحًا”
” كان صحيحًا”
” لا. أنا أعرفُ الآن ما هو غيابُ المعنى وماذا يحدثُ إذا ما نجحت في العودة إلى السطح. أمّا أنت، فلا تعرف ذلك. أنت ألقيت، كأقصى تعديل، نظرةً من الأسفل، فخفت وسددت الهوَّة بجسد كارلا”.
استطاعت أولغا العودة إلى السطح إذًا، بعد أن سمحت لنفسها بالانسياب في تلك الهوّة بدون أي مسائلة، قاومت على مضض فقدان ذاتها لصالح ألم الخيانة والهجر، وتدريجيًا استعادت بعضًا من ذاتها في النهاية وتصالحت مع غياب المعنى واستسلمت لإحساسٍ مُخترع بالامتلاء والفرح.
تذكرني رحلةُ أولغا في فقدان المعنى بالتخبط الذي أعيشه، الهجر هو العاملُ المشترك الوحيد بيني وبين أولغا.
ماريو هجر أولغا، وأنا هجرُت كلّ ما أعرفه، وكلّ من أعرفهم، وهجرتُ نفسي خلال ذلك أيضًا.
أدركتُ ذلك عندما عدتُ إلى قراءة بعض المقالات التي عملتُ على كتابتها منذ أربع سنوات. بينما كنت أقرأ، كانت عيناي تقعان على مقاطع لا أذكرُ أنني كتبتها، ومشاعر لا أذكُر أبدًا أنني شعرتُ بها. هل هذه أنا؟ هل هذه كلماتي.
الهجرُ كمحاولة للنجاة، كانت تلك طريقةُ ماريو وطريقتي أنا أيضًا لتجنّب الوقوع في فقدان المعنى، هذا ما فكرتُ فيه.
كانت أولغا شجاعة، في الاعتراف بأنها لم تجد شيئا، واليقين بأن شيئا لن يجدها، ذلك السلام الهادئ بأن شيئا لن يكون كما عهدته. لكنني ماريو، وقد نكونُ كلنا ماريو في مواجهة فقدان المعنى، أما أولغا فليست سوى خيال روائية حالمة.
عندما فقدت أولغا مشاعرها حيال ماريو كان السبب هو أنه لم يمتلك الشجاعة الكافية ليستسلم لفقدان المعنى، ليتهاوى في ذلك الثقب.
إنه الجبْن، تلك الصفة التي تعني أيضًا الأمان والاستقرار.
لم أعد أرغب في أن أكون ماريو، سأعاود أدراجي، وأحاول عبثًا البحث عن معنى ما يخّصني. لا معانٍ مُستعارة، لا أجساد مُستعارة.
وقد لا أصل أبدًا.تمامًا كـ أولغا:
” لم أصل إلى أي مكان. لم يكن هناك من عمق، لم تكن هناك من هاوية. لم يكن هناك أيّ شيء
اترك رد